ابن قيم الجوزية
409
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
على العلم بأنه فاعل ، لأن الذم فرع عليه ، ويستحيل أن يكون الفرع معلوما باضطرار ، والأصل ليس كذلك ، والعقلاء قاطبة يعلمون أنّ الكاتب مثلا يكتب ، إذا أراد ، ويمسك إذا أراد وكذلك الباني والصانع ، وأنه إذا عجزت قدرته ، أو عدمت إرادته ، بطل فعله فإن عادت إليه القدرة والإرادة ، عاد الفعل . وقولك : لو كان ذلك أمرا ضروريا ، لاشترك العقلاء فيه ، جوابك : أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات . فكثير من العقلاء يخالفون كثيرا من الضروريات ، لدخول شبهة عليهم ، ولا سيما إذا تواطئوا عليها ، وتناقلوها ، كمخالفة الفلاسفة في الإلهيات بيسير من الضروريات ، وهم جمع كثير من العقلاء . وهؤلاء النصارى يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل ، وهم يناظرون عليه ، وينصرونه . وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا باللّه ورسوله طرفة عين ، ولم يزالا عدوين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مترصدين لقتله ، وأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقام عليّا على رؤوس جميع الصحابة ، وهم ينظرون إليه جهرة ، وقال : هذا وصيّي وولي العهد من بعدي ، فكلّكم له تسمعون ، وأطبقوا على كتمان هذا النص وعصيانه . وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم ، يقولون ما يخالف صريح العقل ، من وجود مفعول بلا فعل ، ومخلوق بلا خلق . وهؤلاء الفلاسفة وهم المدلّون بعقولهم ، يثبتون ذواتا قائمة بأنفسهم خارج الذهن ، ليست في العالم ، ولا خارجة عن العالم ، ولا متصلة به ، ولا منفصلة عنه ، ولا مباينة له ، ولا محايثة ، وهو ما يعلم بصريح العقل فساده . وهؤلاء طائفة الاتحادية ، تزعم أن اللّه هو هذا الوجود ، وأن التعدد